السيد كمال الحيدري

358

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

وكيف كان ، فالسياق بحسب فهمنا هو البناء التركيبي للنصّ ، يرتكز على مفردة أو جملة ، ووظيفته بيان المراد الجدّي للمتكلّم من خلال استعماله لمفردات وتراكيب بنحوٍ لا تُفضي إلى غير مفاد السياق ، فالسياق ليس له حقيقة خارجية وراء نفس البناء التركيبي ، بمعنى أنه ليس مُفردة بعينها ، كما توهَّم ذلك كثير من الأعلام ، وليس جملة أيضاً ، وإنما هو بناء صوري نقرؤه من خلال النصّ بوجوده التركيبي ، فإذا ما قلنا بأن القرينة السياقية في قول الآمر : ( اذهب إلى البحر في كلّ يوم واستمع إلى حديثه باهتمام ) تدلّ على عدم إرادة البحر بمعناه اللغوي ، فإنَّ الدالّ على ذلك ليس نفس مفردة : ( حديثه باهتمام ) ، وإنما البناء التركيبي لهذا النصّ المرتكز على هذه المفردة ، فالمفردة الصارفة وسيلة القرينة السياقية وليست هي نفس القرينة . ولا ريب بأنَّ هذا المعنى الدقيق لم يلتف له الأعلام ، بحسب علمنا ومُتابعاتنا من المُتقدِّمين والمُتأخّرين ، وهو بحاجة إلى تأصيل أكثر وتأمّل كبير للوصول إلى زواياه الدقيقة التي نرجو أن تتّضح أكثر عند تعرّضنا لبيانات تقسيم هذه الدلالة السياقية عمَّا قريب ، وإن كُنا نعتقد بأنّ ذلك لا يفي بالغرض ، فالمسألة بحاجة إلى دراسة مُستقلّة ندعو أصحاب التخصّص للخوض فيها ، وذلك لما تتوقّف عليه من نتائج كبيرة وعميقة وخطيرة في معظم النصوص القرآنية ، بل لا تكاد تجد نصّاً يخلو من ذلك ، وهذا ما يفتح أمامنا في هذا التصوير الموجز للقرينة السياقية أن نتعرَّض إلى مسألة تحديد هويّة هذه الدلالة من حيث الحقيقة والمجاز ، فقد تقدَّم أنّ البعض - بل الأعمّ الأغلب من الأعلام - يرى أنَّ هذه الدلالة تُفيد معنىً التزامياً وليس مُطابقياً ، وهذا يعنى أنها تحكي معنى مجازياً لا حقيقياً ، وهو قول غير تامّ ، ولا يُمكن القبول به ، وليس منعنا من ذلك من باب الالتزام بمجاز السكاكي ، فذلك اشتباه آخر منه ، وإنما نعني إرادة الحقيقة ، فالقرينة السياقية تُوفّر لنا معنى